Welid Omer
http://bit.ly/20aVFcu
مقدمة : إن لكل شعب مضطهد أو غير مضطهد منظومة فكرية ، هذه المنظومة تتكون بالاستناد إلى جملة ظروف وعوامل تاريخية وثقافية واجتماعية وسيكولوجية واقتصادية ، تتكون عبر عملية التفاعل والتجادل بين الوعي والواقع بين النظرية والممارسة بين القول والفعل ، وهذه المنظومة يمكن لها أن تحدد خطوطا استراتيجية بالإضافة إلى تشخيص الواقع ، تهتدي إليها الفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية ، وبالنسبة للكورد يلحظ غياب منظومة فكرية موحدة ، وحتى أن الفكر غائب بسبب سيطرة الأيديولوجيات وسطوة السياسي بالمعنى اليومي المحدود ، وبسبب حالة التجزئة التي يعاني منها الشعب الكوردي وظروف المرحلة الانتقالية من عدم تقرير مصيره حتى الآن مما أفقده حالة استقرار تتكون فيها ملامح وتجليات فكر كوردي معاصر ومن هنا تأتي المحاولة الراهنة المتواضعة لبناء أسس ومبادئ فكر كوردي معاصر يستطيع أن يقدم رؤية موضوعية للواقع الكوردي ويضع النقاط على الأحرف ويشير إلى مكامن الخلل والعطب ويرسم مسارات معقولة ومنطقية للسير النضالي باتجاه نيل الحقوق القومية المشروعة ودخول العصر بقوة وتوازن وجدارة وتأتي هذه المحاولة كحاجة موضوعية للمس الجراحات الفكرية والأيديولوجية وحالة القلق الفكري لدى الجماهير هذه الجماهير التي تتيه في شتى الجوانب والاتجاهات الأيديولوجية المتنازعة على الساحة الكوردستانية وغياب البوصلة الاستراتيجية الموظفة لصالح مطامح وأهداف الشعب الكوردي في كافة أجزاء كوردستان
ملامح ومظاهر غياب فكر كوردي معاصر .
إنَ الناظر للوحة الفكرية الكوردية يجد مظاهر عديدة تدل على غياب فكر كوردي معاصر منها إنّ الفكر الكوردي اتخذ طابعا أيديولوجيا وسياسيا بالدرجة الأولى تمثل في أدوات مؤسساتية هي الأحزاب الكوردية هذه الأحزاب تنوعت شكلا وتماثلت مضمونا تنوعت شكلا باختلافات أيديولوجية مصطنعة ونابعة من انتماءات و ولاءات لأحزاب كوردستانية أخرى ، وتماثلت مضمونا في غياب فكر متماسك في منظومته ثابت في مبادئه مستمر في نضاله وتفاعله مع الجماهير وكذلك فإننا نجد العديد من حالات الانقسام والتشرذم تتم بالاستناد إلى الولاءات الكوردستانية الخارجية وبغياب الاختلاف الفكري وحتى الأيديولوجي أي أن الأيديولوجيا أيضا غائبة في الانشقاقات وبخاصة في مرحلة الثمانينات والتسعينات والفكر غائب بشكل مطلق عن مسائل الاختلاف إن الحالة التشتتية للأحزاب الكوردية وتبعية بعض الناس لها يمكن تسميتها ب( التشتت القطيعي ) أي كيفما اتجه القائد حزبيا انشقاقيا كذلك تبعه مريدوه وأنصاره في ولاء مطلق أشبه ما يكون بالولاء العشيري – نسبة للعشيرة – ومن ملامح الغياب الفكري أيضا غياب الدور الثقافي للمثقفين الكورد إذ أن المثقفين الذين نجدهم من خلال نتاجاتهم وبخاصة في مرحلة التسعينات كانوا في معظمهم منخرطين في صفوف الأحزاب الكوردية وبسبب عمليات الانشقاقات وأسباب أخرى تركوا صفوف الأحزاب وبدأو يعملون بجهود فردية لخدمة الثقافة الكوردية ولكن وبالرغم من جنينية الثقافة الكوردية وخطواتها الأولى على أيديهم ألا أن الظاهرة الثقافية تبشر بالخير لدى هؤلاء وذلك بسبب غياب مناخات القمع الحزبي عليهم والحرية النسبية القليلة المتاحة لهم في تأليف ونشر نتاجاتهم لكن ما يؤخذ على نتاجاتهم هذه قلة الاهتمامات الفكرية والتاريخية والتحليلية والنقدية والاستراتيجية الأمر الذي يفتقده الكورد اليوم وحاجتهم الماسة إليه لمعالجة أزماتهم الصغرى والكبرى في عالمنا المعاصر اليوم ، وبالنسبة للجماهير نجد اللامبالاة تجاه الأحزاب وتجاه المثقفين وتسود العاطفية المطلقة وتغيب المناخات و الأجواء العقلانية ويسود الحوار حالة من السخونة والانفعال والصراخ واللافهم والتوتر ويتمسك المحاور بجملة من المسلمات ومقولات حفظها عن ظهر قلب يتشدق بها ويرفعها حجة في وجه المحاور الآخر الذي لا يقل عنه فهلوية في الحفظ والتلقين والتدجين والصراخ والعنف واللاهدوء – وبخاصة في فترة التسعينيات من القرن المنصرم – ويتمسك كل منهما برأيه أو بالأحرى بحزبه أو بصورة أدق بزعيمه فتكون النتيجة سلبية واختلافا وقد يكون شجارا أو تفككا عائليا اجتماعيا يهدد المجتمع الكوردي بالانقسام الاجتماعي وهذا له خطورته الكبرى وتسود الانتهازية والذرائعية والأنانية واللف والدوران والتهويل والتمظهر والاستعراضية وشتى الأساليب اللاواقعية واللامخلصة في سير العملية النضالية
أسباب غياب فكر كوردي معاصر :
يمكن أن تنقسم أسباب غياب فكر كوردي معاصر إلى قسمين
القسم الأول : يتعلق بالظرف الاجتماعي الاقتصادي التاريخي ، القسم الثاني : يتعلق بالظرف الثقافي والسياسي
1- الظرف الاجتماعي الاقتصادي التاريخي : تتداخل في المجتمع الكوردي كبقية مجتمعات البلدان النامية عدة تشكيلات اجتماعية اقتصادية والتي تتسم باللاتمايز في الطبقات والشرائح الاجتماعية الداخلة في تركيبه ، إنَ المجتمع الكوردي يتبع لمجتمعات متعددة الأنماط الاجتماعية وهي تختلف عن المجتمعات الرأسمالية بغياب تطور صناعي يفرز طبقات رئيسية ولهذا السبب مع أسباب أخرى ذات طابع ثقافي واجتماعي تاريخي يتعلق بذهنية الإنسان الشرقي الذي لا تزال الأوهام والخرافات والمثاليات والرومانسيات الفضفاضة تسيطر على عقليته أقول لهذه الأسباب فشلت عملية النهضة التي عادة ما تقوم بها البرجوازية وأدى هذا التخلف الصناعي ذي التبعات الفكرية السلبية الى ابقاء المجتمع الكوردي في حالة تطورية لا تتناسب مع تطوره القومي بغياب الزخم الاجتماعي لهذا التطور أي أَنَ البرجوازية الكوردية تابعة للبرجوازية في البلدان التي تتقاسم لكوردستان والتي هي بدورها تابعة للبرجوازية الغربية مما أضفى على البرجوازية الكوردية حالة من التبعية المضاعفة وهذا ينعكس على البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الكوردي أو بالتحديد وضع الطبقات الاجتماعية ،إنَ هذه الوضعية غير المستقرة والقلقة وغير الطبيعية تؤثر سلبا في بناء منظومة فكرية واضحة المعالم والتجليات ، ويمكن القول بأن الوعي القومي الكوردي لم يتبلور بانسجام مع التطور التاريخي للشعب الكوردي بمعنى لم يأت- الوعي القومي - كانعكاس للضرورات الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي لم تكن البنية الفوقية موازية للبنية التحتية بعلاقاتها الإنتاجية الرأسمالية كما حصل في أوروبا وإنما كان الوعي القومي محاكاة للطموحات القومية للشعوب الأخرى وبنفس الوقت رد فعل على السيطرة السياسية للشعوب المجاورة والأنظمة الاستبدادية الشرقية وبصورة أكثر توضيحا نتج الوعي القومي الكوردي تحت تأثير بنى فوقية أساسا كاللغة – المشاعر – القومية – القبيلة ولم تتحول المسألة الكوردية إلى ضرورة اقتصادية اجتماعية بشكل جوهري ورئيسي في بداياتها كما كان ينبغي لها أن تكون لخصوصية كوردستان المقسمة أصلا عبر كافة المراحل التاريخية
2- الظرف السياسي والثقافي
وكما مر معنا آنفا فإن انخراط المثقفين في التنظيمات والأحزاب السياسية الكوردية أدى إلى سطوة السياسي على الثقافي ، ولبس النضال القومي الكوردي لباساً سياسياً وقومياً وغاب البعد المعرفي الاستراتجي عن ساحة النضال واختلفت الشعارات وتناقضت المقولات وارتبكت البرامج واختلفت الشعارات وتغيرت كثيراً من حالات متشددة إلى حالات متراخية مع حركة الزمن والتاريخ ،هذه الحالة أثرت كثيراً في غياب فكر كوردي استراتجي يرسم معالم النضال المستقبلي ويحدد أهداف الكورد ويبين رسالة الكورد الحضارية في المنطقة ويشرح الغايات والحاجات الموضوعية للنضال الكوردي ، والحقيقة أن كل ما كان سائداً ولا يزال هو نمط سياسي وتكتيكي مرحلي وإلى حد كبير فردي أحادي وهو أقرب إلى إبداء وجهة نظر منه إلى منظومة فكرية متناسقة الأبعاد والملامح ، وللأسف لم تحاول التنظيمات السياسية الاستفادة من جهود المثقفين في تخصيص مؤسسات ملحقة بالحزب غاياتها معالجة المسألة الكوردية كل حسب اهتماماته مثلا الذين يشغفون بالدراسات التاريخية كان ينبغي تكليفهم بهذه الدراسات وتأمين المراجع والبحوث اللازمة لذلك والذين كانوا يميلون للدراسات الفكرية التحليلية كان ينبغي تكليفهم بالبحث في هذه المجالات وهكذا .. بالنسبة لباقي الاهتمامات ويمكن هنا الإشارة إلى نقطة أخرى مهمة في هذا المجال فإن المنح الدراسية للطلبة الكورد من قبل بعض الأحزاب الكوردية أو من قبل الأحزاب الشيوعية لم تأخذ جدواها المعرفية والفكرية بسبب الاهتمامات العادية ( الطب – العلوم – الهندسة – الرياضيات ) وغيرها ولكن غابت عنها الدراسات الفكرية – التاريخية – الفلسفة – الأدبية – التراثية – الموسيقية – السينمائية – وهذا يمكن إن يسد نقصاً في مجال غياب الأكاديميات والجامعات الكوردية ، وللأسف ضاعت الفرص وسخرت لمصالح أنانية وضيقة وغاب البعد الاستراتيجي المعرفي في هذه المنح التي لو استثمرت جيداً لشكلت نواة لفكر كوردي معاصر يضاف إلى ذلك مجال التراث إذ لم تكلف الأحزاب الكوردية بعض المثقفين لدراسة وجمع وتدقيق ومراجعة التراث الكوردي بأمثاله وحكمه وقصصه وحكاياته وآدابه وأغانيه وموسيقاه وعاداته وتقاليده ، وفلكلوره بشكل عام ، وهذه مهمة ضرورية لبناء فكر معاصر لأن الماضي سيكون لخدمة الحاضر ، وعلينا أن نفهم تراثنا ونوظفه لخدمة الحاضر والمعاصر وعلينا أن نتلاءم مع الحداثة والعصر لاستكمال مسيرة الوعي القومي النضالي الكوردي ، ولا ننسى القول بأن ما يسود مجتمعنا هي قيم القبيلة – العشيرة – الدين – الخرافة ، وتتعرض ثقافتنا للسرقة والتحريف والتزوير والقرصنة والتشويه والاعتداء وكل هذا يحتاج للتناول والمعالجة والنقد والتحليل .
أسس فكر قومي معاصر : لعلها مهمة صعبة وشاقة وضع أسس بناء فكر كوردي معاصر ولعلها قد تكون أقرب إلى الطوباوية والأحلام والخيال مقايسة ومقارنة بالوضع القائم والراهن والمأساوي إلى درجة كبيرة ولكن لنسأل أليست الاكتشافات والاختراعات البشرية منذ بدايات التاريخ كان أساسها الأحلام والطموحات والخيالات ،ولذلك وبالانطلاق من الجرح الكوردي والتمزق الكوردي الذي يضرب في بنية المجتمع الكوردي الذي يئن تحت ضربات كثيرة ولعلها الأكثر إيلاماً " فوضى السياسة " وفقدان الفكر المعرفي ويمكنني هنا وضع الأسس على الشكل التالي
1- بناء مؤسسات ثقافية وفكرية عمادها المثقفون الكورد المستقلون والشخصيات المتنورة الكوردية لدراسة الواقع الكوردي واللوحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكوردية والخروج منها بكتب ودراسات ومجلدات ضخمة ( ويجب تأسيس دور النشر والمطابع لهذه الغاية ) تأخذ منحى أكاديميا وتصبح مراجع لكل سياسي ولكل تنظيم حزبي كوردي في سائر أرجاء كوردستان .
2- التركيز على ترك العاطفية والشفافية الشعورية والموجات الوجدانية الفضفاضة إزاء أي حدث كوردي صغير أو كبير مأساوي أو انتصاري ، وتأكيد العقلانية وتماسك الأنفس وضبطها والاستمرار والمواظبة الفكرية الدائمة وتشجيع الجماهير على قراءة الكتب الفكرية للباحثين والمحللين الكورد الذين يبحثون في مجال الدراسات الفكرية والتاريخية والاجتماعية .
3- التركيز على عدم عبادة الشخص وبخاصة هذا الشخص الزعيم وتوظيف الخاص في خدمة العام القائد في خدمة الحزب والحزب في خدمة الشعب والشعب في خدمة القضية القومية المشروعية
4- نبذ الحوارات الانفعالية الصارخة والتأكيد على أجواء الهدوء والمحبة وأخذ الاختلاف كمسألة عادية وبديهية وعدم النظر إلى الخلاف كمسألة مرفوضة مما يؤدي إلى حالات اتهامية ومهاتراتية وتشاجرية وتمزق عائلي ومجتمعي كبير والتركيز على الوطني العام بدلا من الحزبي الخاص .
5- الجزء في خدمة الكل ، هناك مقولات كوردية خاطئة ناتجة عن القصور الفكري والفوضى الفكرية تقول بأن على الكل الكوردستاني أن يخدم الجزء الكوردستاني ( كل الجهود باتجاه كوردستان تركية ) ، ( كل الجهود باتجاه كوردستان العراق ) هذه المقولات خاطئة يجب أن توظف كل الجهود باتجاه كافة أجزاء كوردستان أو أن يوظف الجزء في خدمة الكل ،كوردستان العراق خطوة أولى تجاه كوردستان عموماً أو كوردستان تركية خطوة باتجاه كوردستان عموماً .
6- التركيز على عدم استخدام الأكراد كورقة بيد الأنظمة الإقليمية أو الدولة وبالتالي تطبيق مبدأ ( عدم الاعتماد على أنظمة الكيانات الغاصبة لكوردستان ) وهذا المبدأ شرط أساسي من شروط فكر كوردي معاصر ينبذ اعتماد الأكراد كورقة بيد هذا النظام أو ذاك .
7- تأسيس مرجعية عليا في كل جزء كوردستاني ومرجعية عليا لكوردستان عموماً تتشكل من المتنورين والمثقفين الكورد ويشاركهم المثقفون الكورد في أوربا وظيفتهم تنوير ووضع الأسس اللازمة للتعامل القومي الكوردي في الراهن والمستقبل وعلى المدى الاستراتيجي القادم .
8 - تسخير كافة الجهود النظرية في خدمة العملية الممارسية أي أن تقوم النظرية بخدمة الممارسة وذلك أن الكورد يتكلمون كثيراً ، ويضعون حلولاً صائبة وغير صائبة نظرية لكنهم في الممارسة ضعيفون وهذا يضر بالقضية وبالفكر الكوردي أيضاً .
9 – التكتيك في خدمة الاستراتيجية وليس العكس أي إن الأحزاب الكوردستانية تعتمد على الأنظمة الغاصبة لكوردستان وتعقد الصفقات وتؤثر على القضية الكوردية في الجزء الواقع تحت هيمنة ذلك النظام المعتمد عليه مما يؤدي إلى الإضرار بالقضية القومية الكوردية لذلك الجزء ولكافة الأجزاء لأنه سرعان ما ينتهي التحالف على أرضية هشة الرابح الوحيد هو النظام الإقليمي الذي استفاد من الورقة الكوردية لصالحه وليس لصالح القضية الكوردية، والتجربة الكوردية غنية في هذا المجال .
10- الاستفادة من الثورة المعلوماتية والتكنولوجية بتطوير الإعلام الكوردي والاتصال مع القوى والشخصيات الإقليمية والدولية وتخصيص ديبلوماسيين وكوادر متقدمة موجودة في أوربا والمجهر أو إرسالها إلى هناك لهذه الغاية وظيفتهم الاتصال بالمنظمات الديمقراطية والإنسانية وبأصحاب القرار هناك لخدمة القضية الكوردية .
حواس محمود
مصدر كوردنامه
اقرأ المزيد



0 التعليقات:
إرسال تعليق